بداية رحلة الأمل
كان طفلي طفلاً طبيعي لا يعاني سوى بعض التأخر في النمو وظهور تحدب خفيف في ظهره. لم يكن أحد يتوقع أن هذه العلامات الأولى الصغيرة ستقودنا إلى رحلة طويلة مليئة بالتحديات.
منذ أن لاحظت التأخير بالتطور الحركي بعمر ٦ أشهر، بدأت زيارتي لعيادات الأطباء باحثة عن تفسير. بعد سلسلة من التحاليل والفحوصات والأشعة ، وجدت نفسي في عيادة التمثيل الغذائي (الاستقلاب). بمجرد أن ألقت الطبيبة نظرة على طفلي حيث التحدب أسفل الظهر و الوحمة المنغولية ، حسيت أن هناك شيئاً غير عادي. بادرَتني الطبيبة بقولها:
!الدكتورة: وصلنا خير
آنا: مصدومة! ضربات قلبي تتسارع! افكاري تتسارع و تتضارب
الدكتورة: هناك احتمال كبير أن ابنك يعاني من مرض وراثي يُسمى متلازمة عديدات السكاريد المخاطي.
مواجهة الحقيقة
تسارعت دقات قلبي وكأنني أسمع الخبر من عالم آخر. حاولت أن أبقي أعصابي متماسكة، لكنني شعرت بعيني تغرق بالدموع. شرحت الطبيبة أن المرض ناتج عن نقص إنزيم مسؤول عن تكسير مواد سكرية معقدة في الجسم. تراكم هذه المواد يؤثر على الأعضاء المختلفة، مسبباً مشاكل في النمو والقلب والمفاصل والعمود الفقري وحتى السمع والبصر.
سألتها بصوت مرتجف: “هل هناك علاج؟”
جاوبتني الطبيبة مطمئنة وقالت: “نعم، هناك علاج إنزيمي يُعطى عن طريق الوريد أسبوعياً. و لكن يجب علينا الانتظار لتأكيد التشخيص عبر الفحص الجيني.
أكملت الطبيبة: هذه مجلة عندي عن المرض فيها صور لمرضى متلازمة عديدات السكاريد المخاطي
وبمحاولة منها لتخفيف الصدمة
أوضحت لي ان المرض يتنوع بالشدة من مريض الى آخر، وأن التشخيص والبدء بالعلاج الانزيمي مبكرا في عمر صغير كما في حالة ابني يعطي نتائج أفضل ويحسن ويخفف من تقدم المرض بشكل ملحوظ
أكملت الطبيبة: مرض داء عديد السكاريد المخاطي ينقسم الى ٧ أنواع تقريبا
النوع الاول Hurler
النوع الثاني Hunter
النوع الثالث Sanfilippo
النوع الرابع Morquio
النوع السادس Maroteaux–Lamy
النوع السابع Sly
بناءا على أعراض يعقوب انا شاكة بين نوعين
النوع الثاني Hunter
أو
النوع السادس Maroteaux–Lamy
لحظة انهيار
خرجت من العيادة وأنا أحمل طفلي بين ذراعي. جلست في السيارة وانهرت بكاءا. مشاعر غريبة اول مرة احس فيها. كنت محتاجة اني أقرأ و أبحث عن المرض. محتاجة اني أستوعب ماذا سوف نواجه، كيف سيكون المستقبل، على الرغم من خلفيتي الطبية إلا انني لم أسمع قط عن هذا المرض.
وبالفعل بدأت أقرأ كل ما أستطيع عن متلازمة عديدات السكاريد المخاطي. كنت متوقعة أنه كل ما قرأت وتعلمت سوف يتلاشى الخوف وتتحسن مشاعر الحزن ولكن على عكس ذلك كلما قرأت أكثر، زادت مشاعري تعقيداً. كانت الدموع تنهمر أثناء القراءة.
وبحثي و قراءتي كانت من خلال المصادر العلمية الموثوقة من دراسات و منشورات كوني متخصصة بالمجال الطبي وعلى علم ودراية بطرق البحث العلمي. علمت أن العلاج الحالي ليس علاجاً شافياً؛ إنما يخفف من تقدم الأعراض ويحمي بعض الأعضاء، يحمي القلب والجهاز التنفسي العلوي من التدهور فيحسن الشخير والاختناق النومي، لكنه لا يصل إلى العظام والمفاصل ولا يوقف مشاكل السمع والبصر. عرفت ان المرضى بهذا الداء يحتاجون تدخلات جراحية متعددة و مراجعة مع تخصصات مختلفة في الفريق الطبي، وأيضا انه كلما بكرنا بالعلاج الانزيمي كلما كانت النتائج افضل، فتكون حياة المريض أفضل ولكن بشكل محدود و يبقى التدهور مع الوقت في هذي الاعضاء ولكن بدرجة أقل مما لو كان من دون العلاج الانزيمي،
التحديات اليومية
في الأيام الأولى، كنت أتجنب الجلوس مع طفلي طويلاً. كلما وقعت عيناي عليه، انهرت بالبكاء. شعرت بالعجز والخوف من المستقبل. لكنني أدركت أن التقبل سيأتي مع الوقت، وأن دوري كأم يتطلب مني أن أكون قوية.
الأمل في العلاج الجديد
مع مرور الوقت، أصبح اهتمامي ينصب على المستجدات الطبية. قرأت دراسات ومنشورات علمية عن الأطفال تلقوا العلاج الإنزيمي في مراحل مبكرة وكيف ساهم ذلك في تحسين حياتهم بشكل ملحوظ. عرفت أن الأبحاث لا تتوقف وأن هناك جهوداً لتطوير علاجات جديدة قد تصل إلى الأنسجة التي يعجز العلاج الحالي عن الوصول إليها.
رغم ذلك، كان هناك بصيص أمل في أن التقدم الطبي قد يقدم علاجاً أفضل في المستقبل.
رسالة للأسر
لكل أسرة تواجه هذا التحدي، أقول: أنتم لستم وحدكم. صحيح أن متلازمة عديدات السكاريد المخاطي مرض نادر ومعقد، لكنه لا يعني نهاية الأمل. بفضل الرعاية الطبية المتخصصة، والعلاج المبكر، والدعم الأسري، يمكن للأطفال أن يعيشوا حياة أفضل. التحديات كبيرة، لكن التقدم العلمي يفتح أبواباً جديدة كل يوم.
لن أنسى لحظة الصدمة الأولى، لكنها كانت بداية رحلة جديدة. رحلة تعلمت فيها أن الألم يمكن أن يتحول إلى أمل، وأن كل خطوة نخطوها نحو العلاج هي خطوة نحو حياة أكثر إشراقاً لطفلي ولجميع المرضى.

[…] المزيد عن اول زيارة لعيادة الاستقلاب تابع البوست […]